عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
129
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الكل . ثم أخذ يقول : وبعد فإن للّه عبادا إذا قاموا قاموا باللّه وإذا نطقوا نطقوا من اللّه وسرد ألفاظا أبكى القاضي فأقبل القاضي إلى الخليفة وقال : إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم فخلى سبيلهم . وقيل : بعث رجل إلى جبلة بجارية وكان بين أصحابه فقال : قبيح أن أتخذها لنفسي وأنتم حضور وأكره أن أخص بها واحدا وكلكم له حق وحرمة . وهذه لا تحتمل القسمة وكانوا ثمانين . فأمر لكل واحد بجارية أو وصيف . وقيل : عطش عبد اللّه بن أبي بكرة يوما في طريقة فاستسقى من منزل امرأة فأخرجت كوزا وقامت بخلف الباب وقالت : تنحوا عن الباب وليأخذ بعض غلمانكم فإني امرأة من العرب مات خادمي منذ أيام ، فشرب عبد اللّه الماء وقال لغلامه : احمل إليها عشرة آلاف درهم ، فقالت : سبحان اللّه تسخر بي . فقال : احمل إليها عشرين ألفا فقالت : أسأل اللّه العافية ، فقال : يا غلام احمل إليها ثلاثين ألف درهم . فردت الباب وقالت : أف لك ، فحمل إليها ثلاثين ألف درهم ، فما أمست حتى كثر خطابها . وقيل : دخل أبو عبيد اللّه الروزباري إلى دار بعض أصحابه فوجده غائبا وباب بيت له مقفل ، فقال : صوفي وله باب بيت مقفل اكسروا القفل فكسروا وأمر بجميع ما وجد في البيت وأنفذه إلى السوق وباعوه وأصلحوا وقتا من الثمن وقعدوا في الدار فدخل صاحب الدار ولم يمكنه أن يقول شيئا ، فدخلت امرأته بعدهم الدار وعليها كساء فدخلت ورمت بالكساء وقالت : يا أصحابنا هذه أيضا من جملة المتاع فبيعوها ، فقال الزوج : لم تكلفت هذا باختيارك ، فقالت : اسكت مثل الشيخ يباسطنا ويحكم علينا ويبقى لنا شيء ندخره عنه . وقيل : خرج عبد اللّه بن جعفر إلى ضيعة له فترك على نخيل قوم وفيها غلام أسود يعمل فيها إذ أتى الغلام بقوته ودخل كلب الحائط ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ، ثم رمى إليه بالثاني فأكله والثالث فأكله وعبد اللّه ينظر فقال : يا غلام كم قوتك كل يوم ؟ قال : ما رأيت ، قال : فلم آثرت هذا الكلب . قال : ما هي بأرض كلاب ، إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا ، فكرهت رده ، قال : فما أنت صانع اليوم ؟ قال : أطوي يومي هذا ، قال عبد اللّه بن جعفر : ألام على السخاء إن هذا أسخى مني ، فاشترى الحائط والغلام وما فيها من الأثاث فأعتق الغلام ووهبها منه . وكان من دأب من يعالج البخل بالسخاء أن لو أغلق عليه يوما باب المعالجة لكان يبكي كالثكلى . قيل : بكى أمير المؤمنين علي - رضي اللّه عنه - يوما ، فقيل له : ما يبكيك ؟